الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

الباحثة زكية زوينات كاشفة أسرار جبل العلم وساكنه المولى ابن مشيش

الجمعة 12 نيسان (أبريل) 2013 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

يحفظ التاريخ الإسلامي أسماء نساء في المشرق والمغرب تركن آثارا علمية خلدت ذكرهن حيث أتين بما بوأهن الصدارة العلمية والمرأة التي اعرض لبعض مآثرها غادرتنا إلى دار البقاء فجأة وهي في أوج العطاء العلمي الأكاديمي الأصيل إنها الأستاذة المغربية الدكتورة زكية زوينات الباحثة الانتروبولجية في معهد البحوث الإفريقية بجامعة محمد الخامس بالمغرب الأقصى الشقيق.

قرأت لها قبل أن التقي بها في المهرجان الصوفي بفاس وما قرأته له صلة وثيقة بالموروث الروحي والحضاري لافريقية وبلاد المغرب الأوسط والأقصى ويتمثل في أطروحة جامعية جادة عن ابن مشيش شيخ الشاذلي علم كان ولا يزال له التأثير الروحي الكبير في المشرق والمغرب بل وابعد منهما حيثما وجدت جماعات وأفراد تدرجوا في عالم الروح بأسراره وأنواره واشراقاته التي لا يحدها الزمان ولا المكان.

هذا العلم هو ساكن جبل العلم بشمال المغرب المولى عبد السلام بن مشيش أستاذ الشيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي صاحب المغارة والمقام بتونس.

قبل هذه الأطروحة التي أعدتها الأستاذة الدكتورة زكية زوينات رحمها الله واسكنها فراديس الجنان كانت المادة العلمية قليلة جدا عن هذا العلم البارز الذي خصه الله بتلميذ واحد وبصلاة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم.

* أما التلميذ فهو أبو الحسن الشاذلي الذي رجع إلى المولى عبد السلام بعد أن قادته رحلة البحث عن الشيخ إلى بغداد حيث قيل له لقد تركت الشيخ الذي تبحث عنه في المغرب فقفل أبو الحسن راجعا ليجد المولى عبد السلام في انتظاره كأنهما على موعد والأمر في علم الله مقدر فكان التلميذ الوحيد بعد ذلك شيخ الشيوخ الذين جاؤوا من بعده في سند لم يعرف الانقطاع وهو كل يوم في امتداد في بلاد العرب والعجم هناك في بلاد دغستان والشيشان وفي ملاوي وجاوة وسومطرة إلى غربي وشرقي وجنوبي إفريقيا بل هو اليوم في أوروبا على امتدادها وفي الأمريكيتين.

* أما الصلاة الواحدة والوحيدة فهي الصلاة المشيشية وهي بحق أم الصلوات التي جاءت بعددها اقتبست من انوارها ولا تزال وردا للذاكرين والعارفين والتي لها مئات الشروح القليل منها مطبوع منشور والاكثر لا يزال في المكتبات الخاصة والعامة في المشرق والمغرب.

ظلت ترجمة المولى عبد السلام بن مشيش في ثنايا كتب المناقب والطبقات إذا استثنينا ما صدر في السنوات التي سبقت اعداد الأستاذة الدكتورة زكية زوينات التي تقدمت بها إلى جامعة السوربون بعض الكتابات مثل ذلك الكتاب الذي الفه فضيلة الإمام الاكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله والذي قص فيه تجربته الروحية مع المولى عبد السلام بن مشيش على غرار تجربته مع الإمام أبي الحسن الشاذلي وكيف انه وفي زيارة له اداها إلى المغرب عبر للملك الحسن الثاني رحمه الله عن تعلقه بزيارة جبل العلم حيث يرقد المولى عبد السلام فإذا بالملك الحسن يضع على ذمته طائرة عسكرية فيتحقق له ما لم يكن يحلم به معتبرا ذلك من قبيل الكرامات.

* الأستاذة الدكتورة زكية زوينات رحمها الله في العمل العلمي الذي قامت به عاشت الواقع عمليا وخاضت تجربة ذاتية اتسمت بالصبر والتحمل لما يقتضيه وصول باحثة جامعية إلى جبل العلم حيث الظروف المعيشية والمناخية والمادية صعبة جدا على الاقل في زمن اعدادها لاطروحتها والتي لم تكتف فيها بالبحث النظري في المكتبات الجامعية والمراكز العلمية ثم الخروج بعد ذلك باطروحة نظرية بل اضافت الدكتورة زكية زوينات إلى ذلك دراسة الواقع والمحيط بكل مكوناته وغاصت في اعماقه وفككت رموزه ودلالاته وقد ظل هذا المنهج للبحث العلمي حكرا على المستشرقين الذين تتميز عليهم زكية زوينات رحمها الله بانها عالمة خبيرة ومؤرخة مدققة تجمع بين الثقافة العربية الإسلامية في خصوصياتها المغربية والثقافة الغربية التي هي متمكنة منها: لغة ومنهجا يتجلى ذلك في هذه الأطروحة (ابن مشيش شيخ الشاذلي)

وبعد الشكر الواجب لكل من ساعدها على انجاز عملها من الأستاذ احمد التوفيق إلى الأستاذ محمد المنوني رحمه الله إلى من صاحبتها في جبل “لعلام” هكذا يسمونه في المغرب ورافقتها واكرمتها إلى اشراف جبل لعلام من آل ابن مشيش في المقدمة التي هي عبارة عن مدخل مشوق يغري بالاسترسال في القراءة ولا غرابة في الأمر فالاستاذة الدكتورة زكية زوينات رحمها الله مثلما أنها باحثة جادة فهي روائية ومترجمة فقد ترجمت إلى اللغة الفرنسية كتاب الابريز لسيدي عبد العزيز.

تقول الأستاذة زوينات (وفي الجملة فان هذه الدراسة حول جبل لعلام تفرض نفسها وقد تطلب انجازها القيام بعمل طويل النفس لجمع مواد جديدة ماخوذة من مصادر قديمة ومن أخرى حية ومقابلتها مع الاشارات المتواترة والمبادئ الراسخة للتصوف. إن ابن مشيش يحضى في مجموع بلاد المغرب بتقدير لا مثيل له ولكن لا احد يستغرب من كون عدد من النقط ظلت غامضة في حياته كل هذا يبرر ضرورة اعادة تركيب الصورة التاريخية لهذا الشخص والبحث الانطروبلوجي حول ما يجري في مقامه وفي هذا المستوى فان هذا الولي يجعلنا نلمس ذهنيا حدود التاريخ والجغرافيا).

ونقرا بعد المقدمة ملاحظات مهمة ومفيدة جدا حول المصادر التي وقع الاعتماد عليها.

وعن سؤال ما التصوف؟ تجيب المؤلفة: التصوف هو المظهر الداخلي الباطني للاسلام فهو لبه ونواته وجوهره. لا يقوم إلا على هذا المظهر الآخر للدين وهو الشريعة الظاهرة التي هي بمثابة الشكل واللحاء فهو روحانية الإسلام على غرار الروحانيات الأخرى، انه الطريق للوصول إلى المطلق ولكن منهجه محدد بمقتضيات شرع منزل يضمن اصالته وحقيقته).

ثم تتابعت الفصول فصلا بعد فصل: مولاي عبد السلام بن مشيش في عصره وقد استقصت المؤلفة فيه كل جوانب شخصيته، وفي الفصل الثاني تعاليم مولاي عبد السلام والمذهب المشيشي ومحوره الاساسي التلميذ أبي الحسن والصلاة والمشيشية، أما الفصل الثالث فهو تراث ابن مشيش، والفصل الرابع: المعيش الطقوسي حول الضريح وهو عبارة عن وصف ميداني استقصائي للمكان وما يدور فيه وما يحمله من رموز ودلالات روحية صوفية قد تبدو لا معنى لها ولكن لدى اهل الاشارة والذوق هي دروس في السلوك والتربية، وهي سكينة وراحة نفسية وطمانينة قلبية لا سبيل إلى نكرانها إذ لماذا هذه المعالم مثل جبل لعلام حيث المولى عبد السلام وليس سواها من بقية الجبال والمرتفعات التي لا يوجد فيها أمثال المولى عبد السلام؟!

وفي النهاية فالامر من قبيل الاذواق والاحوال والتجارب الذاتية والتي ينخرط فيها ليس فقط العوام والعجائز ولكن الخاصة من نخبة النخبة من عمالقة الفكر في الغرب وفي الشرق.

هذا العمل العلمي النظري والتطبيقي الذي انجزته وعاشت تجربته الأستاذة الدكتورة زكية زوينات رحمها الله جدير بالقراءة واعادة القراءة ومما ييسر هذا الأمر أن الأستاذ احمد التوفيق تولى ترجمته ونقله إلى قراء اللغة العربية فقام بهذه المهمة احسن قيام، فهو ليس غريبا على ميدان البحث الأكاديمي في التراث الروحي والثقافي فقد حقق في مجاله عديد المدونات واشرف فيه على عدة اطروحات جامعية وهو اديب وروائي يجيد اللغتين فضلا عن انه صاحب مشرب صوفي وذوقي.

عدت بعد أن بلغني نبا وفاة الأستاذة زكية زوينات رحمها الله إلى كتاب ابن مشيش شيخ الشاذلي فاكتشفت فيه للمؤلفة شفافية وروحانية وأنها كانت تؤسس لعمل تنويري روحاني اصدرت من اجل بلورته واشاعته دورية وقع بين يدي –صدفة ويا لها من صدفة- في مطار الدار البيضاء العدد الثاني منها اختارت لها عنوانا (الاحسان كمال الإنسان) وهي مجلة تعنى بالسنن الدينية في ديناميتها الروحية وقد خصص العدد الثاني للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وركز على الجانب الروحي والرمزي ومركزية الحب فيه وقد كتب في هذا العدد من المجلة (الاحسان كمال الإنسان) باحثون عرب وغربيون من كبار المفكرين والدارسين الذين شدتهم إلى الإسلام ونبي الإسلام وعلماء الإسلام روحانية عميقة لم ينقطع مددها راوها كفيلة بانقاذ المجتمعات الإنسانية مما تردت فيه من مادية شرسة ومتوحشة.

إن (الاحسان كمال الإنسان) مشروع زكية زوينات رحمها الله الذي وضعت لبناته ورسمت له هدفه وغايته مشروع بدات ملامحه بارزة للعيان وله اليوم رموز واعلام تجمع بينهم على تباعد ديارهم واختلاف أجناسهم ولغاتهم الرغبة والتوق الشديدين لبلوغ مرتبة الاحسان الواردة في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سؤال الامين جبريل عليه السلام ما الاحسان؟ قال: أن تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك.

رحم الله زكية زوينات يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث من جديد فقد ادت الامانة والله ورسوله وصالح المؤمنين على ذلك من الشاهدين./.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 1354542

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع أعـــلام و معالــم   ?

Creative Commons License