الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

الدكتور مصطفى محمود رحمه الله رائد الخطاب الديني الذي يرسخ العقيدة ويقيم الحجج والبراهين على أن لا تعارض بين العلم والإيمان

الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 2011 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

شرعت أخيرا قناة اقرأ الفضائية في بث مجموعة من حصص تلفزية كان يعدها للتلفزة المصرية الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وأجزل ثوابه، وهي حصص تابعها المشاهدون بكل شغف واهتمام في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكانت الحصص الدينية في تلك الفترة قليلة وتطغى عليها الصبغة التقليدية شكلا ومضمونا إلى أن أقدم الدكتور مصطفى محمود رحمه الله على إعداد برنامجه المتميز شكلا ومضمونا والمركز على قضية العلم والإيمان وهي في تلك الفترة قضية الساعة باعتبار ما برز في الساحة العربية والإسلامية من دعوات إلى اللادينية واعتبار الدين والروح قد غربت شمسهما!! وأن لا شيء إلا المادة والمادة فقط!! فالدين أفيون!! والإله قد مات!! (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) !! أرحام تدفع وارض تبلع!! في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الأمة قيض الله الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وثلة من إخوانه والذين كانوا في اغلبهم من خريجي الكليات العلمية ممن درسوا في البلاد العربية والإسلامية وخارجها ثم عادوا إلى بلدانهم ليمارسوا عن جدارة وبكفاءة عالية ما اكتسبوه من علوم ومعارف عصرية في المستشفيات ومراكز البحث والكليات العلمية وليقوموا إلى جانب ذلك بعمل سوف تحفظه لهم الأجيال المتعاقبة يتمثل في التوعية والتوجيه والتأكيد على انه لا تضارب ولا تعارض بين صحيح الدين الثابت الورود عن الله من قرآن وسنة وبين آخر ما انتهى إليه العقل البشري من كشوفات في مختلف المجالات والميادين بل إن ذلك مما يرسخ العقائد في القلوب والعقول. كان مصطفى محمود رحمه الله طليعة فرسان تلك المرحلة الدقيقة والصعبة من تاريخ الأمة في العصر الحديث وكان معه صفوة خيرة لربما لم تكن لهم شهرة مصطفى محمود رحمه الله ولكنهم ابلوا البلاء الحسن جازاهم الله خيرا نذكر منهم الدكتور البشير التركي رحمه الله من تونس والدكتور المهدي بن عبود رحمه الله من المغرب والأستاذ مالك بن نبي رحمه الله من الجزائر وغيرهم.

لقد سلك مصطفى محمود رحمه الله وأجزل مثوبته في حصصه العلمية التي أعدها للتلفزة المصرية ثم عممت كثير من التلفزات العربية بثها، أسلوبا جديدا في الخطاب الديني فهو يأخذ مشاهده والمنصت إليه في جولة يترك فيها للكاميرا المجال فسيحا كي تلفت الانتباه إلى الدقة والعظمة وكمال الإبداع في الكائنات الحية وغير الحية من جماد ونبات وحيوانات وأمواج وأفلاك ومجرات بحيث ينتهي المتابع لما يشاهد إلى استحالة أن لا تكون وراء كل ذلك إرادة وقدرة هي فوق القدرات العادية المتعارفة حيث تكاد تنطق المشاهد بدقائقها وجزئياتها وهو ما يريد أن يصل به الدكتور مصطفى محمود من يتابع حصته فيقول (تبارك الله أحسن الخالقين) ولا ينسى الدكتور مصطفى محمود أن يلفت الأنظار إلى عجائب خلق الله ليس فقط في المحيط بكل مكوناته بل وفي ذات الإنسان جسدا وروحا وعقلا وفي هذا الجانب فالدكتور مصطفى محمود هو أبوها وكيالها وكيف لا وهو الطبيب المختص، فالإنسان ذلك المجهول كما قال ألكسيس كارليل هو محراب لعبادة الله مصدقا لقوله جل من قائل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).

ولقد وجد الدكتور مصطفى محمود رحمه الله في آيات الكتاب العزيز: القرآن الكريم معجزة سيدنا محمد الخالدة ما يدفعه إلى المضي قدما في هذا المنهج الذي سلكه في الإقناع والتبليغ، منهج الاستدلال بالمصنوع على الصانع وبالمخلوق على الخالق. وما أكثرها الآيات التي ندعو إلى التدبر والتفكر والنظر في ملكوت الله الواسع وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) والآيات هنا لا تقتصر على الجمل القرآنية والتي لا يخفى إعجازها، إنها ذلك وغير ذلك، فالإنسان آية، والليل والنهار آية، والبحار آية، والسماوات والأراضون آية، وهي كلها حجج دامغة وأدلة قاطعة على ضرورة الإيمان بالله الخالق البارئ المصور الأول الآخر سبحانه وتعالى... وفي كل شيء له آية / تدل على انه الواحد.

إن الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وأجزل مثوبته هو من فتح في بداية النصف الثاني من القرن الماضي باب الاستفادة من الكشوفات العلمية في تركيز العقائد الدينية السليمة والصحيحة ولكي أكون دقيقا أقول في مادة الحصص الدينية المسموعة والمرئية وإلا فإننا لا يمكن أن نغفل عن محاولات أخرى تذكر تتشكر بداية من الشيخ طنطاوي جوهري رحمه الله في تفسيره للقرآن الكريم وتواصلا مع فضيلة الشيخ نديم الجسر رحمه الله مفتي طرابلس لبنان في كتابه الجليل: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن والذي عد بحق كتاب القرن وهو عبارة عن محاورة شيقة وعميقة بين ساب حيران هو نموذج لشباب الأمة الإسلامية في القرن الماضي وحكيم متبحر في العلوم الشرعية والمباحث الفلسفية وآخر المستجدات العلمية ودار هذا الحوار بجوار ضريح الإمام البخاري في مدينة خرتنك هناك غير بعيد من طشقند من بلاد ما وراء النهرين في آسيا الوسطى وما يسمى اليوم بالجمهوريات الإسلامية ولا تزال الكتابات في هذا السياق المؤكد على أن لا تعارض بين الدين الصحيح في نصوصه الثابتة وبين العلم في آخر كشوفاته فكل منهما حق والحق لا يتعارض ولا يتصادم ولا يتناقض، فقط ينبغي أن يظل بينهما برزخ، فالعلم كما قيل يحلل أي يستكشف الدقائق والجزئيات والدين يعلل ويجيب على سؤال لماذا؟ (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وانكم إلينا لا ترجعون) صدق الله العظيم، وقد قيل القليل من الفلسفة والقليل من العلم هما ما يمكن أن يثيرا الشك والريب ولكن الكثير منهما هو ما يرسخ الإيمان ويركز العقيدة. ألم يقل جل من قائل (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

لقد التحق بركب المشتغلين بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم خاصة عدد كبير من الباحثين والدارسين حتى كادت تطغى هذه المادة على الخطاب الديني في السنوات الأخيرة وهل يمكن أن لا نذكر بكل إكبار وتقدير وامتنان تلك الإضافة المتميزة التي قدمها الطبيب الجراح الفرنسي موريس بوكاي بالخصوص في كتابه القيم والذي ترجم إلى عديد اللغات وطبع عشرات المرات: القرآن والتوراة والإنجيل في ضوء المعارف العصرية.

نعود لنقول أن الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وأجزل مثوبته رائد الخطاب الديني الذي يربط الإيمان بالعلم والذي لم تُذْهِبْ الأيام والعقود من السنين وهج ونورانية وقوة حجة حصصه الدينية.

ولم يكتف رحمه الله بالمسموع والمرئي بل كانت له طيلة عقود من السنين صولات وجولات فكرية وعلمية وحضارية وإستراتيجية من خلال ما تركه من عشرات المؤلفات التي منها: رحلتي من الشك إلى الإيمان وحوار مع صديقي الملحد ومحاولة تفسير عصري للقرآن وغيرها كثير جدا وهي كلها ثمرة تحصيل علمي اتخذ فيه الدكتور مصطفى محمود رحمه الله لنفسه شعارا ومنهجا (وقل رب زدني علما)، و(الحكمة ضالة المؤمن) و(طلب العلم من المهد إلى اللحد) فكانت حياته رحمه الله تحصيلا للعلم لا يعرف التوقف وعطاء وبذلا بكل الوسائل والأساليب لا يبتغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، كيف لا والرجل قدم النموذج العملي الصادق والخالص للعمل لوجه الله والمتمثل في ذلك المركب المتكامل المتمثل في المسجد بكل مرافقه الاجتماعية والعلمية والثقافية والطبية والذي بناه من ماله الخاص وجعله صدقة على الفقراء والمحتاجين حيث تجرى للفقراء الفحوص والتحاليل المخبرية والعمليات الجراحية وحصص تصفية الدم في مركب مصطفى محمود رحمه الله القائم في قلب مدينة القاهرة المدينة المليونية، إنها الفعالية والايجابية والإخلاص وكل ذلك لا يستغرب من الدكتور مصطفى محمود رحمه الله الذي تعد بحق تجربته ومسيرة حياته إلى أن رحل عن هذه الدنيا راضيا مرضيا، نموذجا ومنارة مضيئة في العصر الحديث فيها التصديق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الخير فيّ وفي أمتي إلى قيام الساعة) لم تكن الدنيا اكبر هم مصطفى محمود ولم تكن مبلغ علمه، لقد تعلقت همته العالية بما عند ربه وهو خير وأبقى، إن وراء خلود ذكر مصطفى محمود رحمه الله شفافية روحية قوية اكتسبها مما آتاه الله من عقل ثاقب ورؤية بعيدة عميقة وعلم غزير واسع وتعلق قوي بربه جعلت منه ربانيا من رباني هذه الأمة الذين لا ينقطع سندهم إلى قيام الساعة.

إن كلام مصطفى محمود رحمه الله في حصصه التي تبث هذه الأيام من طرف فضائية اقرأ -ونرجو أن تفعل ذلك إحدى فضائياتنا الوطنية والخاصة-كلام قريب عهد من الله وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الكلام الذي يخترق الكثافات وينفذ إلى أعماق الأعماق.

فتحية إلى روح مصطفى محمود يوم ولد وتحية إلى روح مصطفى محمود يوم مات ولا يضره في شيء أن كان مشيعوه إلى مثواه الأخير أولئك الغلابى الفقراء الضعفاء الذين قال في حقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبغوني في ضعفائكم) فهم من بكوه بحرارة وهم من حزنوا على فراقه وغاب عن تشييعه وتوديعه سواهم!! وسلام على مصطفى محمود يوم يبعث حيا ليحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا./.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 152255

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع أعـــلام و معالــم   ?

Creative Commons License