الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

الشيخ الحبيب المستاوي

السبت 6 كانون الأول (ديسمبر) 2008 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

الشيخ الحبيب المستاوي : عطاء كبير في عمر قصير (1923-1975)

من الناس من لا يزيد توالي السنوات وتعاقبها العقد بعد العقد أسماءهم إلا ذكرا وثناءا وترحما عليهم نظرا لما تركوه من أعمال صالحة ومواقف مشرفة تتصل بالشؤون العامة والقضايا المصيرية التي تهم الأمة بمختلف أجيالها وفئاتها على امتداد الزمان والمكان، نحشر في هذا السمط بالدرجة الأولى العلماء والمصلحين وكبار القادة دون إن ننسى من اصطفاهم واجتباهم الله ليكونوا أنبياءه ورسله إلى عباده يخرجونهم من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل ومن الضيق إلى السعة وعلى رأس هؤلاء رسولنا الأعظم ونبينا الأكرم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وإن كان خلود ذكر الرسل والأنبياء عليهم السلام جانب الكسب فيما حققوه يرجع إلى ما هيئوا إليه وجبلوا عليه واختيروا له اصطفاء من الله سبحانه وتعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) وهم بذلك صنف خاص من خلق الله لا يقاس عليه ولا يطمع احد من الناس أن يصل إلى درجتهم.

صنف العلماء هم من أعنيهم فيما تقدم من اسطر ينطبق عليهم ما ذكرت من خلود الذكر ودائم الشكر والثناء عليهم يستمر من بعدهم حصول النفع للناس بعد رحيلهم إلى دار البقاء وذلك من خلال العلم الذي بثوه في الصدور وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر العلم الذي بثوه في الصدور وعلموه للناس. فمن هذا الباب العظيم يلحقهم الأجر والثواب بعد إن حصل ما في الصدور بقوله جل من قائل (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وان سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى).

العلماء طالت أعمارهم أم قصرت (والاجال محددة مضبوطة والأجنة لا تزال في الأرحام) العلماء العاملون بإخلاص لوجه الله وليس سواهم من علماء السوء الذين قيل في حقهم: (وعالمٌ بعلمه لم يعملن * معذب من قبل عباد الوثن)

العلماء العاملون بإخلاص، والله لا يقبل إلا ما هو خالص لوجهه الكريم طالت أعمارهم أم قصرت عندما يعود الواحد منا إلى ما تركوه من آثار وما حبرته أقلامهم من كلمات يقول: سبحان الله لكان حبر ما كتبوه لم يجف، انه كلام قريب عهد بالله ينفذ إلى القلوب ويخترق كثافات وظلمات المادة ليحدث رجة ويحقق تجاوبا وتقبلا لدى المتلقي.

لا أريد أن أثقل على القارئ باستعراض عشرات الأسماء من علماء الأمة الأعلام فالمجال لا يتسع لذلك ولكن ما أردت إن يشترك فيه معي القراء هو ما يعبر لي عنه في أكثر من مناسبة من يجري بيني وبينهم حديث عن بعض جوانب عطاءات الشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية في داخل البلاد وخارجها في عمره الذي لم يتجاوز الثانية والخمسين إذ في شهر رمضان المبارك وفي فجر يوم الخميس الثاني عشر وبعد الإمساك والقيام للصلاة وفي الركعة الثانية التحقت روحه ببارئها راضية مرضية حيث كان مبيته ليلة الجمعة في قبره الذي نسأل الله إن يكون روضة من رياض الجنة، كان ذلك يوم 12 رمضان الموافق لـ18 سبتمبر سنة 1975 أكثر من ثلاثين سنة مضت وكأن الرجل مات من سنوات قريبة، ولا يرجع هذا الحضور التلقائي الرباني المتواصل إلا لإخلاصه فيما بذل من جهود وما قام به من أعمال (وما كان لله دام واتصل) فالرجل لم تقم له إلا أربعينية محتشمة في مقر جمعية المحافظة على القرآن الكريم بمبادرة من بعض إخوانه وأصدقائه لم تنل حتى جزءا ولو قليلا من التغطية الإعلامية اللهم إلا ذلك العدد الخاص من مجلته (جوهر الإسلام) التي أسسها وبذل في سبيلها الغالي والنفيس من صحته ومما يحصل عليه من دخله الذي لكم يتجاوز راتبه الذي بارك الله له فيه فأنفق منه على أسرته وأقربائه وأكرم به أصدقاءه وأحبابه وإخوانه من علماء الأمة الإسلامية الذين كانوا لا يمرون بتونس دون إن يأكلوا وحتى يقيموا في بيته المتواضع بمقرين.

إن كل من تقول لهم إن الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله توفي في عمر الخمسين يستغربون ولا يصدقون فيقولون أكل تلك الصولات والجولات بالقلم واللسان في أغلب مدن تونس وقراها: مدرسا ومحاضرا على منابر اللجان الثقافية في المناسبات الدينية: في ذكريات المولد والهجرة والإسراء والمعراج وغزوة بدر وفتح مكة وليلة القدر، فقد كان رحمه الله لا يتأخر عن دعوة توجه إليه يركب سيارته يسوقها بنفسه أو بمساعدة من يكون بجانبه من أصدقائه وتلاميذه وما أكثرهم وما أشد عطفه عليهم وما أصدق تعلقهم به فقد كان لهم أستاذا وأبا شفوقا لا يبخل عليهم بما بين يديه من قليل ما يملك ولكنه كثير يباركه الله.

  • ولم يقتصر هذا الحضور للشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله على الداخل بل تجاوزه إلى خارج البلاد فقد كان عنصرا بارزا في بعثة تعليمية أرسلت إلى الشقيقة ليبيا فكان المدرس بمعهد احمد باشا بطرابلس وكان المعد للحصص الدينية في الإذاعة الليبية يكتب الحديث الديني ويلقيه بصوته الجهوري المجلجل، ويحرر المسرحية الهادفة وكان المحيي للمناسبات الدينية بغرر القصائد العصماء التي تحي الذكريات المجيدة التي يستلهم منها الدروس والعبر لاستنهاض الأمة كي تغير ما بها.
  • كما كان الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله عضوا لأكثر من مرة في الوفد الرسمي للحجيج التونسيين فكان المرشد والموجه لجموع الحجيج وكان المستلهم بأشعاره الروحية المشرقة لنفحات الحج وإشراقات البقاع المقدسة وكان الداعي صاحب الضراعات المبكية المؤثرة على جموع الحجيج، يستوقف أشقاءهم من حجيج بيت الله الحرام استغراق الشيخ الكبير فتكبر الحلقة الملتفة حوله رحمه الله يشهد على ذلك ويصور روعة تلك المشاهد كل من حجوا مع الشيخ رحمه الله.
  • وكان الأستاذ موسى الرويسي رحمه الله سفير تونس بجدة وصديق الشيخ الحميم يحرص على أن يصطحبه معه لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله الذي كانت تشده قصائد الحج التي يحرص الشيخ على نظمها كل مرة يشد فيها الرحال إلى البقاع المقدسة إما لآداء شعيرة الحج أو حضور مؤتمر إسلامي، فكانت كلماته وقصائده في هذه المناسبات الحدث البارز الذي يشد أسماع الجميع بإعجاب وإكبار لصاحبها وللبلاد التي أنجبته والزيتونة التي خرجته.
  • وفي الجزائر كان الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله نجم ملتقيات الفكر الإسلامي التي كان يدعوه إليها صديقه الأستاذ مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية رحمه الله فقد كان رحمهما الله يشتركان في صفات عديدة منها وفي طليعتها الصدق والجرأة في قول كلمة الحق وتسمية الأمور بمسمياتها تحريكا للسواكن وسعيا صادقا منهما لتغيير ما بالأمة من سكون وخمول.
  • والقصيد الطويل (في مائتي بيت) الذي تضمنه ديوان (مع الله) الذي نشر بعد وفاته وعنوانه (إلى الله أشكو) اصدق دليل على ما أقول.
  • وفي المغرب الأقصى كانت للشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله علاقات علمية واسعة حيث درّس وحاضر في اغلب مدن المغرب واتصل بكبار علماء المغرب ومفكريه وفي المغرب نظم قصيدا مطولا حول تاريخ المغرب سجل فيه كما لو انه ممن عاش طويلا في المغرب أمجاد المغرب وعرف برجالاته: علماء وقادة تاريخيين وقد تناقلت هذا القصيد الموجود في الديوان عديد المجلات والجرائد المغربية وبثته الإذاعة والتلفزة المغربية.

وكل هذه الصلات بالبلدان الشقيقة (ليبيا والجزائر والمغرب والمملكة العربية السعودية) بالزيارة أو تلك الصلات بواسطة المراسلة والمكاتبة قوتها وجعلت منها جانبا ثريا من حياة الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله مجلة (جوهر الإسلام) التي أسسها سنة 1968 وكانت بذلك أول مجلة ثقافية إسلامية تصدر بعد الاستقلال وما كان لهذه المجلة لتصدر في تلك الفترة الصعبة لولا ما يتوفر عليه الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله من رصيد نضالي وطني جعل منه محل الاحترام والتقدير، فقد كان الشيخ متعففا لم بتهافت على العروض الدنيوية ولو رغب فيها لنالها بدون طلب ولكن الرجل كان مسكونا بحب الوطن والدفاع عنه والمساهمة في كل ما يمكن أن بحصنه ويحقق مناعته واشعاعه لأجل ذلك وبعد أن استقر به المقام في تونس بعد أن عمل في عديد جهات البلاد (مدنين قفصة تطاوين قابس) في فروع الجامع الأعظم التي ما كان يكتفي فيها بالتدريس بل كان يقوم بحملات التوعية وتحريك السواكن لتحرير البلاد واستقلالها وكان ذلك يسبب له المتاعب المتوالية التي كان يتحملها بشجاعة وصبر كبيرين.

كانت تلك المرحلة التي سبقت الاستقرار في تونس مليئة بالعطاء الحزبي وهو المناضل الذي نشأ وترعرع في الحزب الدستوري وناضل من خلاله قبل الاستقلال وبعده وكانت للشيخ أنشطة اجتماعية ونقابية فضلا عن الأنشطة العلمية والثقافية وكان يحرر في عديد الصحف والمجلات التي كانت تصدر في تلك الفترة.

عندما استقر الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله بتونس في ضاحية مقرين التي أحبها وأحب أهلها فكان إمام جامعهم الكبير الذي أصبح بجهود الشيخ مجموعة من الجوامع والمساجد التي ألحقت بها كتاتيب عصرية، وكان رئيس الشعبة مقرين التي ترعى مناضليها ومواطنيها وتساهم في تشييد الأحياء السكنية والمرافق العمومية وتنجز البنية الأساسية.

والى جانب هذا النشاط المحلي الديني والاجتماعي والسياسي للشيخ كانت له أنشطة تعليمية مكثفة فهو العنصر البارز والفاعل في القسم الذي أسسه سماحة الشيخ الإمام محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله في الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين اعني به قسم الوعظ والإرشاد الذي تخرج منه خيرة وعاظ تونس الذين اتصل بهم سند الإرشاد الديني الصحيح لأنهم تكونوا على أيدي خيرة شيوخ الزيتونة من أمثال الشيخ الفاضل ابن عاشور والشيخ الشاذلي النيفر والشيخ أحمد بن ميلاد والشيخ العربي العنابي والشيخ اللقاني السائح والشيخ محمد المختار بن محمود والشيخ الشاذلي بلقاضي والشيخ محمد الهادي بلقاضي والشيخ محمد الأخوة وغيرهم رحمهم الله وأجزل مثوبتهم والبقية الباقية منهم أمثال الشيخ محمد الحبيب بلخوجة والشيخ كمال جعيط والأستاذ البشير العريبي، وكان الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله لا يكتفي بالتكوين النظري الأكاديمي بل يكمل تكوين الوعاظ بالجانب التطبيقي الخطابي في الجامع الكبير الذي يتولى الخطابة فيه بمقرين، كما كان الشيخ رحمه الله وراء التوصية خيرا بمن أرادوا من خريجي قسم الوعظ والإرشاد إن يواصلوا دراستهم بالشرق العربي في ليبيا ومصر والعراق والسعودية وقد تبوأ بعض هؤلاء أرفع المواقع العلمية والإدارية بعد عودتهم إلى تونس.

ودرس الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله لسنوات طويلة في الأكاديمية العسكرية بفندق الجديد وكان أول من أفسح له المجال للقيام بالتكوين الروحي والمعنوي لطلاب الأكاديمية الذين تخرجوا بأرفع الرتب ولا يزالون يحفظون للشيخ رحمه الله أطيب الذكريات.

ولم يكن الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله يكتفي بهذا النوع من التعليم النظامي بل كان حريصا إلى جانب المحاضرات والمسامرات التي يلقيها في المناسبات الدينية على التواصل مع رواد بيوت الله في أكثر من درس أسبوعي تطوعي تلقائي في جامع سبحان الله بباب سويقة كل يوم أحد وبجامع الزيتونة كل يوم خميس ليلة جمعة وكذلك بجوامع الزرارعية وباب الجزيرة (سيدي البشير) جامع الهواء سباحة معقل الزعيم فضلا عن الجامع الكبير بمقرين.

وكان الشيخ رحمه الله المحاضر على منابر الجمعيات والمنظمات: ديوان تعليم الكبار (محو الأمية) والاتحاد النسائي ومنظمات الشباب وحتى السجون والثكنات والمبيتات الطالبية وغيرها.

وكان يعد للإذاعة الوطنية حصتين كل أسبوع إحداهما في التفسير وأخرى في حديث الصباح فضلا عن الحصص الرمضانية والمنابر الحوارية.

وكان المساهم البارز في ما كانت تعقده لجنة الدراسات الاشتراكية بالحزب الاشتراكي الدستوري من جلسات لاسيما الموضوع الذي امتد الحوار فيه لمدة عام كامل (الإسلام وتحديات العصر) فكان الواقف بجسارة وجرأة ملفتة للانتباه في وجه من تحدثه نفسه بالتطاول على الثوابت. إنها مواقف احتسبها الفقيد لوجه الله وإيمانا منه بالتلازم الوثيق بين الإيمان الراسخ والحب الصادق للوطن (فحب الوطن من الإيمان) وهو ما رسخ لديه القناعة بان الإصلاح وتحسين المردود والإخلاص للوطن وللقيادة يقتضي النصح بالكلمة الطيبة وبالحكمة وهو ما لم ينقطع عن القيام به إلى آخر أيام عمره لا يبالي بما يلحقه من أذى وابتلاء والدليل على ذلك ما خطه قلمه إبان وقفة التأمل سنة 1970 في بيان قدمه إلى اللجنة العليا للحزب يقف على صحة ما أقول وكذلك من حضر معه مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1971 الذي انعقد بمدينة المنستير والذي انتخب فيه عضوا باللجنة المركزية في ترتيب متقدم جدا والذي جاء على إثر خطاب ألقاه وضع فيه النقاط على الأحرف فيما يتعلق بالقضايا المصيرية وبالخصوص قضايا الأصالة والهوية.

لقد احتسب الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله ما ناله وتعرض له بعد ذلك عند الله فانقطع إليه وتوجه إليه صادقا خاشعا مستغرقا في سبحات ومناجاة تمتد إلى طلوع الفجر، ليس معه فيها إلا ربه الذي تذوق حلاوة مناجاته فلم يعبأ معها بآلام أخذت تفتك بجسمه الذي لم يرأف به ولم يعطه في أي يوم من الأيام حقه في الراحة والاستجمام فقد كان الشيخ رحمه الله على عجل من أمره ولا اذكر أنني في يوم من الأيام قمت في الصباح ووجدته في المنزل فقليلا ما يقع ذلك ولا أذكر ولا يذكر إخوتي وأخواتي أن الوالد رجع إلى المنزل ونحن أيقاظ إلا نادرا، لقد كان في كل حياته في عمل لا يتوقف: عمل للدين وللناس، كل الناس، الأقارب والأباعد، لقد كان رجل المواقف والوقوف بجانب المصابين المبتلين يتأثر لأحوالهم ويهب لنجدتهم وكان المشفق العطوف حتى على أصحاب المحن ممن يضعفون أمام أنفسهم يبتغي لهم الأعذار ويدعو لهم بالهداية والغفران. لم يعبأ الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله بمن تنكروا وأساؤوا واعرضوا بعد أن كانوا مقبلين عليه يملؤون عليه بيته ووقته، لقد اقبل بكليته على ربه وعجل بلقائه فلكأنه رحمه الله أحس بقرب الرحيل فعجل إلى ربه راضيا مرضيا قرير العين مطمئنا تمام الاطمئنان على من تركهم من خلفه من أبناء وبنات صغار خلفه فيهم ربه أحسن خلافة فسلام على الشيخ يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.


المنتدى

الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 152255

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع السيرة الذّاتية   ?

Creative Commons License