الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

توجيهات الإسلام في ترشيد الاستهلاك

الخميس 4 آب (أغسطس) 2011 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

إذا كانت الدار الآخرة هي المآل فان الحياة الدنيا في منظار الإسلام ليست ضرة لها بل هي بلاغ إليها لأجل ذلك وفي سبيل نفي التناقض بين ثنائية : المادة والروح والدنيا والآخرة تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية إلى العمل الشريف والسعي الجاد في طلب الرزق الحلال والحرص على أن تكون يد المسلم هي العليا حيث يقول جل من قائل: (وابتغ ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن الله إليك).

فليست هذه الحياة الدنيا في منظار الإسلام وتوجيهاته ومبادئه جيفة قذرة يحرم على المسلم التمتع بطيباتها وخيراتها إن هو أراد الإحراز على مرضاة ربه بل العكس من ذلك فإن المسلم مدعو إلى التمتع بطيباتها والسعي الجاد إلى اكتساب حلالها بالطرق المشروعة (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).

ولعل من أسباب خلود الإسلام ومما يرشحه إلى أن يظل يلعب دورا في حياة المسلمين في كل العصور هو مجاراته للفطرة والطبيعة البشرية السليمة وسعيه الجاد إلى سلوك الوسطية والاعتدال في كل ما يأمر به المسلمين وما ينهاهم عنه. ونبذه لكل تطرف سواء كان ذلك في اتجاه إعلاء شأن المادة والتكالب عليها والإسراف فيها أو الزهد في المادة ومحاولة التحرر منها في اتجاه التنسك والترهب فلا رهبانية في الإسلام ولا تكليف للنفس بما لا طاقة لها به. والناظر في مبادئ الإسلام وتعاليمه يجدها تسعى جادة إلى إرساء وتجسيم الوسطية في كل مناحي الحياة وجوانب السلوك البشري سواء في علاقة العبد بربه أو علاقته بالناس أو علاقته بالأشياء (فلا إفراط ولا تفريط) و(لا ضرر ولا ضرار).

ولقد سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يجسم بقوله وفعله هذه التعادلية الشاملة.

فإذا كان المسلم مدعوا بصريح الآيات والأحاديث إلى العمل من اجل عمارة الكون الذي استخلفه الله عليه.

وإذا كان مطلوبا منه أن يأخذ بالأسباب وان يحترم القوانين التي بثها الله في هذا العالم –وهو في مسعاه مأجور مثاب- فان المسلم مدعو أيضا إلى التصرف برشد ومسؤولية في ما سخر له ووهبه الله له من خيرات أو في ما اكتسب وحصل عليه نتيجة لجده وكده وانتشاره في الأرض وابتغائه من فضل الله.

وإذا كان الإسلام من منطلق مراعاته للفطرة التي فطر الله الناس عليها لا يعترض ولا يواجه ما جعله الله في النفس البشرية من غرائز وتطلعات فانه لا يطلق العنان لأهواء الإنسان الهوجاء تفعل ما تشاء بالإنسان أو بما يحيط به.

فحرية الإنسان في سائر تصرفاته لا يمكن أن تنقلب إلى تصرفات هوجاء بل هي حرية مسؤولة تصلح ولا تفسد وتنفع ولا تضر وهي هذا الإطار اعتبر الإسلام من لا يحسن التصرف في ما بين يديه من مال سواء كان مصدر هذا المال الهبة أو الإرث أو الكسب المشروع اعتبره سفيها دعا إلى الحجر عليه حيث قال جل من قائل: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم).

والإنسان المسلم يعتقد أن ما بين يديه من مال وما أسبغ عليه الله سبحانه وتعالى من نعم ظاهرة وخفية اعتبر كل ذلك أمانات بين يديه مطلوب منه أن يحسن التصرف فيها ثم انه سيسال عنها يوم القيامة إن هو أسرف أو بذر. وفي سياق تعداد صفات عباد الرحمان التي وردت في سورة الفرقان حدد المولى سبحانه وتعالى للمسلم المنهج الوسط في الإنفاق حيث قال جل من قائل: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) الفرقان.

* والإسراف في اللغة (هو مجاوزة القصد يقال أسرف في ماله أي انفق من غير اعتدال ووضع المال في غير موضعه).

* الإسراف في الاصطلاح الشرعي (مجاوزة الحد وهو في النفقة تجاوز الحد) ومن الألفاظ ذات الصلة القريبة بالإسراف كلمة التبذير الذي هو عدم إحسان التصرف في المال وصرفه فيما لا ينبغي وكلمة السفه التي اعتبرت سببا للتبذير والإسراف وهما أثران للسفة وقد اعتبر بعض الفقهاء أن الإسراف يكون في الخير كما يكون في الشر من ذلك أن من تصدق بماله كله يعتبر مسرفا. إذ المسلم غير مطلوب منه ذلك فهو مأمور بأن يؤتي الحق الذي عليه في ماله حيث قال جل من قائل: (واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا).

وقد نزلت هذه الآية في صحابي يدعى ثابت بن قيس انفق خمسمائة نخلة ولم يترك لأهله شيئا. وقيل إنها نزلت في معاذ بن جبل الذي فعل مثل فعل ثابت بن قيس.

والإسلام يسعى إلى جعل المسلم يتجنب الإسراف والتبذير في كل ما يأتيه من تصرفات من ذلك مثلا في مجال العبادة كالوضوء والغسل فقد اتفق الفقهاء على أن الإسراف في استعمال الماء مكروه واستدلوا على ذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع -مسلم-

وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ولو كنت على نهر جار. أخرجه ابن ماجة.

وقد أمر الإسلام المسلم بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال حتى في العبادة من صلاة وصيام عملا ينفي الحرج وتوخي التيسير وعدم التعسير من ذلك إباحة الإفطار عند السفر وإباحته للحامل والمرضع والمريض عند خشية حصول الضرر وقد وردت في هذه المعاني أحاديث عدة منها قوله عليه الصلاة والسلام: (هلك المتنطعون) (ومن رغب عن سنتي فليس مني) (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) والدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله والوعد عليه بجزيل الثواب وعظيم الأجر قيدها الإسلام يتوخي الوسطية حيث قال جل من قائل: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) سور الفرقان آية 67.

وقوله سبحانه وتعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) سورة الإسراء آية 29

وقد قال المفسرون في معنى هذه الآية: ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه فتقعد منقطعا عن النفقة والتصرف كما يكون البعير الحسير وهو الذي ذهبت قوته. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس!! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) أخرجه أبو داود.

واعتبر الإسلام الإنفاق على العيال واجبا قال عليه الصلاة والسلام (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمونه) أخرجه مسلم وأبو داود-كما لا يجوز للمسلم أن يوصي بأكثر من ثلث ماله لما في ذلك من إلحاق للضرر بالورثة فقد قال سعد بن أبي وقاص (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، بالشطر؟ فقال لا، ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير انك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)... أخرجه البخاري ومسلم-

وكذلك نهى الإسلام عن الإسراف في سفك دماء الأعداء في القتال حيث قال جل من قائل: (ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين) وأجاز الإسلام للمسلمين الصلح وعقد الأمان (وان جنحوا للسلم فاجنح لها).

واعتبر الإسلام الأكل والشرب بالقدر الذي يدفع الهلاك فرضا واعتبر الشبع مباحا أما ما زاد على الشبع فهو مكروه أو محظور قال تعالى (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). وارشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقدار الذي يأمن به الإنسان الضرر ولا يكون مسرفا حيث قال علي الصلاة والسلام (ما ملأ أدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات- أو لقيمات يقمن صلبه فان كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) أخرجه أحمد- والمعدة كما هو معلوم بيت الداء والحمية أي التقليل من الأكل هو رأس الدواء وقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم إلى متى يأكل فيه حيث قال" (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا فلا نشبع) واعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الاستجابة لكل مطالب النفس ورغباتها سرفا حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت).

وتوعد الرسول صلى الله عليه وسلم الذين يكثرون من الشبع في الدنيا بطول الجوع يوم القيامة حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة).

وإذا كان المسلم مدعوا إلى أخذ زينته ومأمورا بان يرى اثر نعمة الله عليه فان أفضل لباس المسلم ما ستره وأجاز الشرع التوسع في اللباس ولكن في اعتدال وفي غير ما إسراف وخيلاء حيث قال عليه الصلاة والسلام: (البسوا ما لم يخالطه إسراف ومخيلة) -ابن ماجة-.. وحرصا من الإسلام على تصحيح المفاهيم بحيث لا يفهم من مقاومته للإسراف والتبذير أنه يطلب من المسلم أن يكون بالي الهندام رث اللباس أشعث اغبر فقد روى ابن مسعود رضي الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر) قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال : (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) مسلم.

كما نهى الإسلام عن الإسراف والمغالات في المهور واعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم النساء بركة أيسرهن (مؤنة) مهرا. كما دعا الإسلام إلى القصد وعدم المغالاة في التكفين والتجهيز حيث قال عليه الصلاة والسلام: (لا تغالوا في الكفن فانه يسلب سلبا سريعا) وأمر أبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة بأن لا يكفن في ثوب جديد لأن الحي أولى به وأحوج إليه من الميت.

ولئن أباح الإسلام للمضطر الانتفاع بالمحرم ولو كان ميتة أو دما أو لحم خنزير أو مال الغير واستدل الفقهاء على ذلك بالآية الكريمة (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) فان الأكل والشرب من المحرم حال الاضطرار محدود لا يجوز تجاوزه والإسراف فيه وكذلك نهى الإسلام عن الإسراف في العقوبة والإسراف في القصاص والإسراف في الحدود والإسراف في التعزير مما لا يتسع المجال لإقامة الحجة والدليل عليه في هذا الحيز الضيق.

ولكن ما نريد الانتهاء إليه والتأكيد عليه هو هذا الثراء وذلك التنوع والشمول الذي يزخر بهما ديننا الإسلامي الحنيف في أصليه الثابتين كتاب الله العزيز وسنة نبيه الأسعد الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقد توفر لامتنا العربية الإسلامية من الكنوز والجواهر ما لم يتوفر لغيرها من الأمم والشعوب فقد خصها المولى سبحانه وتعالى بكتاب لا تنقضي عجائبه وبنبي دعاها إلى ما يحييها وبشرع جعل من دفع المفسدة وجلب المصلحة أساسا واصلا لكل أوامره ونواهيه ولقد حجبت هذه الكنوز بفعل عوامل عدة عن أن يكون لها تأثير يذكر في حياة المسلمين الخاصة والعامة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 1356699

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع الإســلام   ?

Creative Commons License