الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

جهود الأستاذ محمد المنوني رحمه الله في توثيق الصلات الثقافية بين تونس والمغرب (1919-1991)

الثلاثاء 29 حزيران (يونيو) 2010 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

تعرفت على الأستاذ محمد المنوني رحمه الله ابّان زيارته لتونس للمشاركة في الندوة العلمية التي انتظمت سنة 1400-1979 تخليدا لذكرى مرور ثلاثة عشر قرنا على تأسيس الزيتونة.

وقد كان عميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين آنذاك فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله و كنت من بين المساهمين في الإعداد لهذه التظاهرة العلمية والدينية الأولى من نوعها منذ الاستقلال وقد تمت دعوة مجموعة من الباحثين نذكر منهم من المغرب الاستاذين محمد المنوني وخليفة المحفوظي رحمهما الله ومن الشام الاساتذة احسان عباس وليلى الصباغ ووداد القاضي ومن الامارات العربية المتحدة الشيخ احمد عبد العزيز آل مبارك والشيخ محمد الشيباني رحمهما الله وغيرهم من الاسماء التي لا تحضرني وكانت فرصة لبقية شيوخ الزيتونة وتلاميذهم للاحتكاك بضيوفهم من العلماء الأعلام والمؤرخين الكبار الذين قدموا بحوثا ضافية كم كنا نود لو تمّ جمعها للاستفادة منها في التعريف بتاريخ هذه المؤسسة العلمية والدينية العريقة الزيتونة المباركة التي انطلق التدريس فيها على ايدي علماء اعلام نذكر منهم من تتلمذ على يدي أمام دار الهجرة مالك بن انس ألا وهو علي بن زياد احد رواة الموطأ وذلك في القرن الثاني للهجرة.

تعرفت على الأستاذ محمد المنوني رحمه الله في هذه الندوة (1979) وعرفت فيه العالم المحقق والباحث المدقق والمؤرخ المختص يزين كل ذلك خلق رضي وتواضع جم وتقوى وإخلاص ينفيان عنه كل عجب ورياء ويجعلانه قريبا من الناس موطأ الاكناف يألف ويؤلف. وكان البحث الذي قدّمه لتلك الندوة بعنوان: “الصلات الثقافية بين المغرب وتونس الحفصية” وهو بحث تجاوزت صفحاته الخمسين يعد بحق مدخلا لا غنى عنه لأي باحث يريد التعرف على عمق الصلات الثقافية بين المغربين الاقصى والادنى، واكرم بها من صلات وثّق لها العلامة الأستاذ محمد المنوني رحمه الله بما يقارب المائتي تعليق وهامش مفيد لكل باحث ومفتاح لكل دراسة يقصد منها الحصول على المعلومة الصحيحة الثابتة الموغلة في أعماق التاريخ البعيد والمستخرجة من نفائس المخطوطات التي امتلك ناصيتها وعرف مضانها وتمرس على التعامل معها الأستاذ محمد المنوني رحمه الله.

وقد اشتمل هذا البحث التاريخي على مدخل وفصول بدأها: بمساهمة الرحلات المغربية المكتوبة في تمتين الصلات الثقافية بين تونس والمغرب وألوان من التجاوب الادبي وتبادل الاجازات بينهما ، ورحلات طلابية متبادلة واعلام مغاربة اقاموا بتونس واعلام مغاربة زاروا تونس واعلام تونسيون رحلوا إلى المغرب ورحلات مغربية عابرة وتبادل الكتب الدراسية بين تونس والمغرب والتبادل في الثقافة الصوفية وفي ملحق ثالث لهذا البحث القيّم أورد الأستاذ محمد المنوني رحمه الله نصّا من رحلة ابن رشيد يحتفظ بمجموعة من اجازات علماء سبتة وادبائها لأبي الفضل التجاني من علماء تونس وادبائها.

لقد كانت تلك الزيارة الأولى للاستاذ محمد المنوني رحمه الله لتونس بداية عهدي به وقد شرفني بزيارة منزل الشيخ الوالد الحبيب المستاوي رحمه الله بضاحية مقرين صحبة مجموعة من الاصدقاء. وقد تركت في نفسه تلك الاستضافة اطيب الأثر بحيث لم يترك مناسبة الا واعاد التعبير عن شكره من ذلك ما كتبه في رسالة وجهها إلي بتاريخ الأحد وربيع النبوي (هكذا) 1400 الموافق 27 يناير 1980 حيث قال: حضرة الأخ العزيز مدير مجلة “جوهر الإسلام” الأستاذ القدير المقتدر الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي الوافر الاحترام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وعلى الاخوين الكريمين الاستاذين الشيخ محي الدين قادي والسيد المحامي عبد الله أبو بكر.

وتحياتي لتلك اللقاءات التي تكرمتم بها جميعا فتركت في نفسي انطباعا عن الروح الإسلامية العالية التي تغمر نواديكم فتسري إلى ضيفكم الذي ينتعش بذكراها ويتمنى إن يراها هنا-معكم- في المغرب بلدكم الشقيق ومع اخيكم الشقيق الذي ينتهز فرصة العيد السعيد فيقدم لكم جميعا اصدق التهاني والمتمنيات بهذه المناسبة الكريمة. اعاده الله-سبحانه بكل خير وسعادة عليكم وعلى اسركم وعلى المسلمين بجمع الكلمة ووحدة الصفّ وبالنصر على الأعداء باشكالهم وألوانهم. وإذا كان يقال:

إذا الاحـبــاب فـاتـهم التـــلاقي * فـمـا صلة بـأفــضل من كـتــاب

فإن اخاكم يرجو ان تتقبلوا الهدية المرفقة لكم وللاستاذين المنوه بهما ودمتم جميعا في حفظ الله سبحانه ورعايته والسلام من اخيكم: محمد المنوني

وفعلا فإن الأستاذ محمد المنوني رحمه الله لم يتأخر عن اهداء كل ما يخطه قلمه لا سيما ما يزيد لحمة التآخي بين الشعبين المغربي والتونسي. وقد عمل رحمه الله بكل ما اوتي من جهد من اجل التعريف بالصلات العميقة بين تونس والمغرب وهو ما ينبغي ان يحفظ له. وقد كان يستجيب بدون قيد أو شرط لأية دعوة توجه إليه من تونس بمختلف مؤسساتها العلمية والدينية. فها هو ذا رحمه الله يشارك في الندوة التي دعا إليها مركز الدراسات والابحاث الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية ببحث يحمل عنوان: ملامح من تطور المغرب العربي في بدايات العصور الحديثة ويبادر بارسال نسخة منه باهداء لطيف (كعادته معي) حيث يقول إلى حضرة الأخ العزيز الأستاذ الصالح المصلح الشيخ محمد صلاح الدين المستاوي الموقر أقدم هذه الفصلة التي تجسم التبادل الثقافي الاخوي بين البلدين الشقيقين راجيا أن تنوب عني في التهنئة بالعيد السعيد الرباط (المغرب)9/3/1400-27/1/1980 وهو بحث في ما يقارب الاربعين صفحة تجاوز فيه محمد المنوني التعاليق والاحالات المائة وعشرين مما يدل على عمق المجهود وثراء المضمون ومما يؤكد ما أراد الأستاذ محمد المنوني رحمه الله بلوغه من تأكيد على متانة العلاقة بين المغرب وتونس حديثا مثلما هو الحال قديما كما بينه من خلال البحث الذي قدّمه بمناسبة ذكرى الزيتونة.

وعندما احدث بعد التحول المبارك مركز الدراسات الاسلامية بمدينة القيروان ونظم ندوات سنوية كان الأستاذ محمد المنوني رحمه الله حاضرا و مشاركا في الملتقى الأول حول الإمام سحنون (7-8-9 جمادى الثانية 1412 / 13-14-15 ديسمبر 1991).

وكانت الحفاوة كبيرة بالأستاذ محمد المنوني رحمه الله حيث استقبله عارفو فضله وعلمه بكل ترحاب وتسابقوا في استضافته، كان موضوع مشاركة الأستاذ المنوني يحمل عنوان: حضور المدونة الكبرى في المؤلفات والحلقات الدراسية المالكية مرورا بعصر المختصر الخليلي وشروحه ثم امتدادا إلى اواسط القرن العشرين واتى الأستاذ المنوني رحمه الله كعادته بالطريف المفيد الذي لا يستطيع ان يأتي به إلا هو.

وعاد الأستاذ محمد المنوني رحمه الله إلى تونس مرة أخرى واظنها الأخيرة مشاركا في ملتقى القيروان مركز علمي مالكي بين المشرق والمغرب حتى نهاية القرن الخامس للهجرة (4-5-6 ذو القعدة 1414 / 15-16-17 افريل 1994) وفي رحاب مركز الدراسات الإسلامية حاضر الأستاذ محمد المنوني رحمه الله حول المنهجية التعليمية بالقيروان في تحليل المدونة الكبرى ومشتقاتها تدريسا وتأليفا واشعاعا على سائر المغرب الإسلامي.

ولقد كان الأستاذ الدكتور أبو لبابة حسين مدير مركز الدراسات الإسلامية أنذاك شديد الحرص على ان لا ينقطع حضور الأستاذ المنوني رحمه الله لملتقيات مركز الدراسات الإسلامية تقديرا لعلمه وفضله واستفادة من زاده واحكاما للصلات العلمية بينه وبين علماء تونس.

ولولا تقدم سنّ الأستاذ المنوني رحمه الله لما غاب أو اعتذر عن حضور بقية الملتقيات التي دعا إليها مركز الدراسات الإسلامية أو جامعة الزيتونة التي اعادت الاحتفال بذكرى مرور ثلاثة عشر قرنا على تأسيس الزيتونة وذلك بعد ان اصبحت جامعة. فقد كان غياب الأستاذ المنوني رحمه الله واضحا وكانت قلوب عارفي علمه وفضله من زملائه واصدقائه معه شفقة وعطفا وحبّا ودعاء صادقا إلى الله كي يحفظه ويمدّ في انفاسه حتى يتواصل عطاؤه الذي لم ينقطع داخل المغرب وخارجه تشهد على ذلك الكتب النفيسة التي أخرجها في حياته والتي نذكر منها: المصادر العربية لتاريخ المغرب، ومظاهر يقظة المغرب الحديث وورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين وعشرات الدراسات العلمية والتاريخية والحضارية التي نشرها في المجلات والدوريات المغربية والاجنبية والتي نجد دليلا موثقا مبوبا ومفصلا لها في آخر كتابه: ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين. لقد احصى الأستاذ محمد المنوني رحمه الله بنفسه ما كتب وحرّر منذ فجر شبابه وجعله في شكل جرد في متناول كل باحث ودارس يروم التعرف على عمل هذا العالم الجليل في خدمة الثقافة العربية الإسلامية عموما والمغربية خصوصا. فما من مجلة أو دورية تصدر في المغرب إلا وللاستاذ محمد المنوني فيها مساهمات متميزة ومؤسسة لمشروع بحث أو اطروحة أو حلقة دراسية وما من باحث أو جامعي اليوم إلا واعمال وابحاث الأستاذ محمد المنوني حجر الزاوية والمنطلق لعمله.

لقد عرف للاستاذ محمد المنوني رحمه الله بعض من فضله لذلك دعي من قبل جامعات المغرب وجامعات تونس والجزائر والسعودية للتدريس بها ومناقشة الاطروحات كما اوكل إليه تنظيم أقسام المخطوطات في بعض المكتبات المغربية فقام بذلك أحسن قيام وكان رحمه الله في خدمة طلبة العلم والباحثين يجود عليهم بأنفس ما عنده من الكتب والمخطوطات ويوجههم إلى ما يسهّل عليهم البحث وبلوغ غاياتهم، فعل الأستاذ محمد المنوني رحمه الله كل ذلك بتفان وإخلاص لا يريد من وراء ذلك جزاء ولا شكورا فجازاه الله عن دينه وامته وثقافته العربية الإسلامية أفضل الجزاء واسكنه فراديس جنانه وإنا لله وإنا إليه راجعون.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 1397621

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع أعـــلام و معالــم   ?

Creative Commons License