جهود فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله في خدمة الأمة ودينها من خلال إشرافه على المجمع الدولي للفقه الإسلامي بجدة
مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي يتخذ من مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية مقرّا له هو إحدى هيئات منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي) (التسمية الجديدة) وهي المنظمة التي تضم في عضويتها كل الدول الإسلامية بل حتى بعض الدول التي لا يمثل فيها المسلمون أغلبية وإنما يمثلون نسبة مائوية لا بأس بها.
فمجمع الفقه الإسلامي الدولي هو أحد هيكلين ناجحين استطاعا أن يلفتا إليهما الانتباه والاهتمام في السنوات الأخيرة من خلال ما أنجزاه كل في مجاله، إنهما المجمع والبنك الإسلامي للتنمية ولعل من أسباب نجاح هذين الهيكلين-ولو نسبيا-هو تمحضهما لما أسسا من اجله وكذلك تولي شانهما رجلان كل في اختصاصه يشهد لهما بالكفاءة والجدية وهما سماحة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله ومعالي الدكتور احمد محمد علي أمد الله في أنفاسه.
وقد كنت كتبت عن هذين الهيكلين وسجلت ما حققاه من انجازات سواء كان ذلك في مجال الفقه الإسلامي والبحث العلمي أو في مجال المال والاقتصاد، ولا تخفى الحاجة إلى المال والاقتصاد بالنسبة لأغلب البلدان الإسلامية.
لقد أمضى فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله على رأس مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه المؤسسة العلمية الدينية التي صدر قرار تأسيسها عن مؤتمر القمة الإسلامية ما يزيد على العشرين سنة وذلك من اجل أن يواكب الفقه الإسلامي المستجدات ويستجيب للتساؤلات التي تعرض للأفراد والمجتمعات الإسلامية.
وجاء الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله إلى مجمع الفقه الإسلامي من موقع رفيع في تونس، حيث كان قبل ذلك تولى خطة مفتي الجمهورية وقبلها كان عميدا للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بعد أن كان مديرا للدار التونسية للنشر التي جاءها من خطة التدريس بجامع الزيتونة والذي تدرج في مختلف مراحله العلمية ليتخرج منه حاملا لأعلى شهاداته، والتي أضاف إليها أطروحة دكتوراه أعدها في جامعة “السوربون” بفرنسا.
تلك هي المسيرة العلمية والوظيفية لفضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله جمع فيها بين الأصيل الشرعي بكل مكوناته من علوم الوسائل والمقاصد والجديد المتمثل في التفتح على الثقافات الأجنبية: (الفرنسية بالخصوص بكل تفريعاتها في الإنسانيات بالخصوص: من تاريخ وعلم اجتماع وآداب وفلسفة).
وعندما تولى هذه الخطة الرفيعة جدا: الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، كان مزودا بخبرة وتجربة وعلم متين يضاف إلى ذلك منهجية وطريقة في البحث والتنقيب والاستنتاج لعلها هي التي كانت وراء ما حققه من نجاحات.
كان التأسيس والانطلاق من لا شيء وما أصعب ذلك خصوصا إذا كانت الموارد والإعتمادات التي سينطلق بها المجمع متأتية من مساهمات الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ولا يعرف معاناة ومصاعب الحصول على هذه المساهمات إلا من عاشر من قرب في هذه المنظمات الدولية والإقليمية فقليلة هي الدول التي تبادر بتسديد ما عليها.
انطلق المجمع بخطى ثابتة حيث ضبطت له خطة عمل كانت الأمانة العامة هي الدينامو المحرك لان المؤتمر العام ينعقد سنويا ويضم في عضويته ممثلي الدول الإسلامية ويحضره الخبراء الذين يختارون من طرف الأمين العام، فعلى الأمانة العامة تقع كل الأعباء. وتوالت دورات انعقاد المجمع بعد ذلك سنويا تقريبا، وحضرها العلماء المسلمون على مختلف مذاهبهم السنية (المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة) والشيعة (إمامية وجعفرية) والإباضية. وكانت هذه الدورات خضما من الآراء والتوجهات، ولو كان ذلك في مجال الفقه، فكيف السبيل إلى جمعهم على كلمة سواء؟ خصوصا وأن الأعضاء يمثلون دولهم، ولكن تسيير أعمال المجمع من طرف أمينه العام فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله بحكمة وحنكة وبعد نظر وتحسيس بدقة وضع الأمة وما يتعرض له دينها من مخاطر وتحديد الأولويات جعل الانصراف إلى مهمة المجمع العلمية الفقهية تحول دون التنازع والاختلاف.
وقد وفق فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله الأمين العام للمجمع بما له من تجربة أيما توفيق يشهد له بذلك زملاؤه أعضاء المجمع من كل البلدان الإسلامية الذين يحظى لديهم بالاحترام والتقدير.
وقد تمثل عمل المجمع الذي نجح فيه وأسدى فيه خدمة كبيرة للأمة ودينها-فيما عقده من دورات انتظمت في دوريتها واعدت مسبقا إعدادا محكما بحيث اختيرت مواضيع كل دورة من طرف مجلس المجمع المتكون من رئيس المجمع وأمينه العام وبعض الأعضاء الذين ينتخبهم أعضاء المجمع. وتم الاتفاق مع البلدان الإسلامية المستعدة لاستضافة دورات المجمع السنوية على التكفل بكل ما يجعلها تنجح وتحقق المبتغى والمراد والمتمثل في عرض الأبحاث المقدمة من طرف الأعضاء والخبراء ومناقشتها وما يصدر عقب الدورات من قرارات في أمهات القضايا التي بحثها ودرسها المجمع طيلة السنوات العشرين، وهي موضوعات متنوعة فيها ما هو اقتصادي مالي مصرفي وفيها ما هو صحيّ كزرع الأعضاء والاستنساخ وغيرهما.
والمواضيع التي بحثها المجمع في دوراته كثيرة وعديدة ومتنوعة وهي كلها موثقة مدققة بحيث نشر في مجلدات كل ما دار في دورات المجمع: الأبحاث والمناقشات والقرارات والتوصيات وحسنا فعل المجمع فقد طبع أعمال دوراته الأولى على أقراص تسهل العودة إليها وتكون في متناول الباحثين والدارسين والإعلاميين وكل المهتمين وما أكثرهم.
* وأعمال المجمع هي أبلغ رد على فوضى ما يصدر من كلّ صوب وحدب عن الدخلاء والأدعياء، طلاب الشهرة على حساب المشاعر والعقائد والمقدسات.
* أعمال المجمع مادة دسمة تصلح لكي تكون منطلقا لتوعية دينية علمية صحيحة كيف لا وهي زبدة عمل أهل الذكر والمختصين من علماء المسلمين في مختلف المذاهب المنتشرة على امتداد العالم الإسلامي، وتلك مهمة يمكن أن تقوم بها أطراف أخرى من منظمات وهيئات وجامعات ووزارات الشؤون الدينية.
تلك صفحات من جهود وجهاد فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله في مجال دقيق حساس من مجالات الثقافة الإسلامية (الفقه الإسلامي) جعل الله هذا العمل الجليل في سجل أعماله وجازاه الله عن الأمة ودينها الحنيف خير الجزاء انه سبحانه وتعالى سميع مجيب.
الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي
مقالات هذا المؤلف
- مفاهيم إسلامية: ضرورة التروي وعدم التسرع من أجل الوصول إلى الحق
- محمد الحبيب المستاوي: الإسلام المتصالح مع ولي الأمر
- مفاهيم إسلامية:فوائد الصبر وعواقبه في العاجل والآجل
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة الحادية والعشرون): الصدق أساس كل خبر للفرد والمجتمع
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة العشرون): سعى الإسلام لتركيز فضيلة الحياء والاحتشام
- [...]
ar
المكتبـة
أعـــلام و معالــم
?
