صيام رمضان وضرورة تصحيح المفاهيم وتقويم السلوكيات
إن من المفاهيم الواسعة التي تضمنها شهر الصيام الذي خص الله به هذه الأمة الحبيبة ما يغرسه أو يدعمه ذلك الصوم في نفوس المؤمنين من عزم يجعل الصائم يقدم بدون تردد على مفارقة شهوته يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ويقبل على تينك الشهوتين بعد الغروب في فرحة لا تعادلها إلا فرحته يوم أن يتلقى من ربه الجزاء الأوفى في دار الخلد والنعيم وتتجدد عزيمته مع كل فجر جديد من أيامه الغر إلى أن يأتي على نهاية الشهر وسيجد لا محالة في أيامه الأول ما يجده كل مفطوم على لذة مأخوذة وشهوة متاحة بيد انه سيتعود شيئا فشيئا ذلك الفطام وسيألف العيش الجديد ويجد النشاط والحيوية الذين بهما يواصل أداء رسالته في الحياة ويقوم بوظيفته فيها كاملة غير منقوصة، ذلك أن الصوم في مفهومه السماوي الصحيح ما جعل إلا ليشحذ العزائم وليوائم بين القوى الروحية والمادية في الإنسان وحاشاه أن يكون قضاء على احدهما فالله يوم أن فرضه على هذه الأمة يعلم الرسالة الشاقة المنوطة بعهدة أبنائها وهي رسالة الجهاد المتواصل في كل ميادين الحياة ولقد أمكن لأولئك الذين أدركوا الدين على حقيقته وتفاعلوا مع تعاليمه أمكن لهم أن يزدادوا بصومهم حيوية وقوة وعزيمة وما القدرة على مفارقة اللذتين أيام شهر كامل إلا مقدمة للقدرة على مفارقة كل لذة آثمة وكل متعة فيها إضرار بالغير. وما هي في النهاية إلا تضحية بالعزيز في مقابلة الإغراء وإيثار وإرضاء الغير على إرضاء النفس إذا كان في إرضاء الغير المنفعة العامة وأي نهضة لا تكون دعائمها الصحيحة مبنية على أرصدة من العزيمة الثابتة والتضحية الحقة والإيثار الطاهر النزيه.
والإسلام احكم رسالة سماوية عرفها الناس منذ الأزل وأكثرها عناية بالفضائل الإنسانية وجعلها متمشية مع التعاليم ومتولدة منها. ومتغذية بروحها ولهذه الأسباب ذاتها أمكن له أن يعيش مع كل التيارات وان لا يتخلف بمعتنقيه إذا تقدم بهم ركب الحضارة والعلم وإذا أصيب أهله بشلل يقعد بهم في حلبات السباق فهو شللهم لا شلله. وذنبهم لا ذنبه وتخلفهم لا تخلفه.
وان نظرة عجلى على صلاتنا وصلاة أسلافنا، وصيامنا وصيامهم تكفي لإحقاق هذه الحقيقة الثابتة والتسليم بها إيمانا واقتناعا، فلقد كانت صلاتهم تجردا وإسلاما ومسالمة، ولقد كانت بحق درعا لهم من الخبائث والفواحش. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهكذا أرادها الله. وهكذا يجب أن تكون فأين نحن من تلك المعاني السماوية والمفاهيم الدقيقة؟ ولقد كان صيامهم أيضا إمساكا عن الفضول وحدا من نزوات النفس وضبطا للمشاعر والسلوك وتمرينا على الصبر والعزيمة والجهاد والإيثار تلك المعاني التي بها الازدهار وبها السعادة والعمران. وان الإنسان ليخجله إذا قاس هذا بما نحن عليه اليوم وإذا أمعن النظر في تصرفات الصائمين منا وقلب أقوالهم وأفعالهم وفحص نظرتهم الحقيقية. نعم نحن نمسك عن الشهوتين كما يمسك كل صائم ونضرب عن الطعام والشراب نهارا ونقضي الليل في الخضم والقضم وفي السهرات الطويلة التي تنهك القوى الجسمية والعقلية وتقلب الآية (وجعلنا من الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) فلا يأتي الصباح على الصائمين منا إلا وقد أنهكتهم الكضة واضر بهم الارق الطويل فلا يستطيع أنشطهم أن يؤدي لنفسه وللمجتمع عشر ما عليه من حقوق وواجبات. لم يرد الله سبحانه وتعالى منا أن نضرب عن الطعام والشراب وما تعودناه من تدخين وشاي ومشروبات كنا نتناولها في أيام الإفطار فقط ولم يرد من الأغنياء أن يتذوقوا طعم الجوع ليرأفوا بإخوانهم الفقراء الجائعين وحسب، بل أراد فوق ذلك كله أن يكون الصائم قويا نشيطا ذا عزيمة فولاذية تخرق السدود وتتجاوز الحدود. وان يكون اشد الناس شعورا بالواجب وأعظمهم قياما به وهيهات أن يقف واجب المسلم عند حدود ذاته أو يقصر عند مصلحته الشخصية فهو أحب أم كره خلية من خلايا مجتمع واسع لا يتكامل إلا بتكامل وحداته ولا يصلح إلا بصلاح أفراده ومن أين يأتي الصلاح والتكامل إذا اتخذنا عبادتنا ذريعة للكسل ووسيلة للضعف والوهن؟ مع إيماننا بان الله يحب المؤمن القوى كما اخبرنا بذلك رائد هذه الأمة الأوحد صلى الله عليه وسلم، انه لو اطل علينا من نافذة خلده الدائم فرآنا على ما نحن عليه اليوم في صيامنا وصلاتنا وما يكتنف هذين الركنين العظيمين من طفيليات وزوائد وما ينتابهما من هزال وضعف لانتهرنا بشدة ولأمرنا بحزم وجد أن نصحح مفاهيمنا السقيمة لتعاليم دينه القويم انه لن يرض لنا أبدا أن تكون عباداتنا عبارة عن حركات آلية خالية من كل روح. أو أعمال تقليدية مشوهة نقوم بها من باب إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون.
لا بد من تصحيح العقائد والمفاهيم لتصح تبعا لذلك الأعمال والأقوال ولا بد من فهم عميق لتعاليم الإسلام حتى تؤتي أكلها. وتحقق ما أراده الله لنا منها من جميع معاني القوة والعزم والتضحية والتفكير الصحيح الذي يبعدنا عن تبذير إمكانياتنا المادية ويجعلنا حكماء ننزل كل شيء في منزلته التي خلقت له وخلق لها. فلكل يوم عمله ولكل شهر دخله، ولكل عضو وظيفته وما تداخل الأشياء وإنخرام نظامها إلا مقدمة للفشل والخسران وبداية للفوضى والارتباك وديننا يريد منا أن نكون أهل نظام وعمل ويأبى علينا أن نكون مثالا للفوضى والكسل.
الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي
مقالات هذا المؤلف
- مفاهيم إسلامية: ضرورة التروي وعدم التسرع من أجل الوصول إلى الحق
- محمد الحبيب المستاوي: الإسلام المتصالح مع ولي الأمر
- مفاهيم إسلامية:فوائد الصبر وعواقبه في العاجل والآجل
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة الحادية والعشرون): الصدق أساس كل خبر للفرد والمجتمع
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة العشرون): سعى الإسلام لتركيز فضيلة الحياء والاحتشام
- [...]
ar
المكتبـة
أعـــلام و معالــم
?
