الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

في رحاب القرآن الكريم: آية الكرسي سيدة القرآن

الجمعة 27 نيسان (أبريل) 2012 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

آية الكرسي آية عظيمة الشأن وهي أفضل آية في القرآن الكريم فقد ذهب العلماء إلى أن ما قاله جل وعلا من كلامه في ما يتعلق بذاته وصفاته مما هو من صميم الإيمان وجوهر التوحيد، الآيات التي في هذا المعنى والسياق هي أفضل آيات القرآن الكريم.

وقد وردت في فضيلة هذه الآية (آية الكرسي) (الله لا إله إلا هو الحي القيوم ..) التي يحفظها عن ظهر قلب الصغار والكبار والذكور والإناث ومن يحسنون القراءة والكتابة ومن هم أميون وذلك لكثرة تداولها على الألسن ولاتخاذها من قبل الكثير منهم وردا يحافظون عليه يواظبون على تلاوته، وهي أيضا من المعقبات التي تتلى سرا وعلانية من قبل المصلين فرادى وجماعات عقب الصلوات المكتوبة ولأجل ذلك فهي محفوظة وعلى ألسنة الجميع أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية عدة أحاديث.

* عن أبي وهب ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال: الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال: (آية الكرسي قال ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسي بيده ان لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش) رواه مسلم

* عن عمر بن عطاء ان مولى ابن الأسقع رجل صدق اخبره عن الأسقع البكري انه سمعه يقول : ان النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم) حتى انقضت الآية رواه الطبراني.

* عن أنس بن مالك حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته فقال: “أي فلان هل تزوجت ؟ قال: لا وليس عندي ما أتزوج به قال أو ليس معك قل هو الله أحد؟ قال: بلى قال: ثلث القرآن أليس معك: قال يا أيها الكافرون؟ قال: بلى قال ربع القرآن أليس معك إذا زلزلت؟ قال: بلى، قال ربع القرآن قال: أليس معك إذا جاء نصر الله؟ قال: بلى قال: ربع القرآن قال: أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال: بلى قال: ربع القرآن” رواه أحمد.

* وعن أبي ذر رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال “يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا قال: قم فصل. قال فقمت فصليت ثم جلست فقال” يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الأنس والجن" قال: قلت يا رسول الله أو للإنس شياطين؟ قال: نعم قال قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال خير موضوع من شاء أقل و من شاء أكثر قال: قلت يا رسول الله فالصوم؟ قال: فرض مجز وعند الله مزيد قال: قلت يا رسول الله فالصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة قال: قلت يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال جهد من مقل أو سر إلى فقير قال: قلت يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم قال: قلت يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم قلت يا رسول الله كم المرسلون؟ قال ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا وقال مرة وخمسة عشر قال: قلت يا رسول الله: أي ما انزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) رواه النسائي.

* عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (سورة البقرة فيها آية سيدة القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي) الحاكم في المستدرك.

* وعن أسماء بنت يزيد بن السكن قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) و(الم الله لا اله إلا هو الحي القيوم ان فيها اسم الله الأعظم) رواه أبو داود والترمذي.

* وعن أبي أمامة رضي الله عنه يرفعه قال (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث في سورة البقرة وآل عمران وطه) وقال هشام ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة فـ (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) وفي آل عمران (الم الله لا اله إلا هو الحي القيوم) وفي طه (وعنت الوجوه للحي القيوم)

* وعن أبي أمامة قال رسول الله (من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي

* وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران أن عليه السلام اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فانه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة اجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب النبيين وأعمال الصديقين ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله).

هذه أيها القارئ بعض من الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في فضيلة آية الكرسي (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) ولا عجب في الأمر فإنها ممحظة لذكر بعض ما لله سبحانه و تعالى من الصفات التي اختص بها فلا يشاركه فيها احد سبحانه وتعالى وكل ما هذا شأنه من آيات التوحيد والتمجيد والتنزيه والتعظيم يدخل في إطار تركيز العقيدة الصحيحة السليمة الواجبة الاعتقاد في حق الله جل وعلا. فحقه على عباده ان يؤمنوا به ولا يشركوا به أحدا ولا شيئا ولا كائنا من كائناته فالشرك ظلم عظيم (ان الشرك لظلم عظيم) وهو مالا يغفره الله (ان الله لا يغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وأمة الإسلام هي أمة التوحيد الخالص لله جل وعلا (لا اله إلا الله) أفضل ما قاله سيدنا محمد وأفضل ما قاله النبيون من قبله.

يقول سبحانه و تعالى: (الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم).

أورد ابن كثير في تفسيره لآية الكرسي تحت عنوان هذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة ما ملخصه.

* (الله لا اله إلا هو) إخبار بأنه المتفرد بالأولوهية لجميع الخلائق.

*(الحي القيوم) أي الحي في نفسه الذي لا يموت إذا القيم لغيره فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها لا قوام لها بدون أمره كقوله (ومن آياته ان تقوم السماء والأرض بأمره).

* (لا تأخذ سنة ولا نوم) أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا تخفي عليه خافية ومن تمام القيومية انه لا يعتريه سنة ولا نوم (لا تأخذه) أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس… وفي الصحيح عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: (ان الله لا ينام ولا ينبغي له ان ينام يخفض القسط ويرفعه يرفعه إليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور أو النار لو كشف لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ويروى ان سيدنا موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله عز وجل ؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه ان كسرهما قال: فجعل ينعس وهما في يده في كل يد واحدة قال: فجعل ينعس وينبه وينعس وينبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر هو مثل ضربه الله عز وجل يقول فكذلك السماوات والأرض في يده.

* (له ما في السماوات وما في الأرض) إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله (ان كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيامة عبدا).

* (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) كقوله (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضي) وكقوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل انه لا يتجاسر احد على ان يشفع لأحد عنده إلا بأذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة (آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله ان يدعني ثم قال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع قال فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة).

* (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارا عن الملائكة (وما نتنزل إلا بأمر ربك ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا).

* (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) : أي لا يطلع احد من علم الله على شيء إلا بما اعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه ويحتمل ان يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم عليه كقوله (ولا يحيطون به علما).

* (وسع كرسيه السماوات والأرض) عن ابن عباس قال علمه وقال آخرون الكرسي موضع القدمين وعن ابن عباس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل (وسع كرسيه السماوات والأرض) قال كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل.

وعن ابن عباس: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة في المفازة) وفي هذا المعنى أحاديث أخرى يوردها الحافظ ابن كثير.

(ولا يؤوده حفظهما) أي لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيها ومن بينهما بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم على كل نفس بما كسبت الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا اله غيره ولا رب سواه.

قوله تعالى (وهو العلي العظيم) كقوله (وهو الكبير المتعال) وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه انتهى كلام ابن كثير انظر الصفحات 403 و404 و405 من المجلد الأول من الطبعة الرابعة 1998/1418 .

* فآية الكرسي آية عظيمة الشأن وهي ركيزة عقيدة التوحيد التي هي المحجة البيضاء والعروة الوثقى والصراط المستقيم الذي ترك عليه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أمته، أمة لا اله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية الكرسي بما تضمنته من مقتضيات الألوهية مما أوحى به الله فيما يتعلق بذاته سبحانه و تعالى مما نحن مأمورون باعتقاده و الثبات عليه وتركيزه في كل آن وحين إلى أن نغادر هذه الحياة الدنيا على كلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله نسأل الله حسن الخاتمة و دائم الحضور مع الله جل وعلا لا تفتر ألسنتنا تردد هذه العقيدة حتى تترسخ في قلوبنا إلى ان نلقى الله عليها غير مبدلين ولا مغيرين فرحم الله علماءنا الأعلام وأسلافنا الكرام لم يتركوا لكل من تأخر من بعدهم زيادة أو إضافة ورحم الله الحافظ ابن كثير فقد أتى في تفسير آية الكرسي بما لا إضافة عليه لمضيف ولهذا تراني أيها القارئ اكتفيت بتلخيص الأسانيد واجتناب ما تكرر، أورد رحمه الله معاني آية الكرسي بما يقتضيه المقام من دقة في العبارة ويسر وتلك ميزة من ميزات هذا التفسير (تفسير القرآن العظيم) انه يفسر القرآن بالقرآن ويفسر القرآن بالسنة والسيرة النبوية الطاهرة وما صح من الآثار فجازاه الله خيرا ونفع به المسلمين.

وحسبنا ككل مرة نقف فيها مثل هذه الوقفة مع سورة أو آيات أو آية من كتاب الله العزيز ان نتنعم ولو بعض لحظات باشرا قات وأنوار كتاب الله العزيز نغذي بها أرواحنا ونقوي بها إيماننا ونتزود منها بخير زاد في رحلتنا في هذه الحياة المليئة بالمصاعب والفتن والمغريات.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 1426366

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع القــرآن الكريـم   ?

Creative Commons License