في وداع فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله الأمين العام السابق للمجمع الفقهي الدولي (1922-2012)
بقلوب حزينة وعيون دامعة وألسنه ضارعه إلى الله السميع المجيب ودعت تونس ومعها كل البلاد العربية والإسلامية العلامة فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الذي انتقل إلى رحمة الله بعد عمر مديد مليء بالعطاء العلمي والفكري والأدبي انطلق من تونس الزيتونة التي تخرج منها على أيدي خيرة شيوخها العلماء البررة الذين كانوا نجوما في سماء تونس وكل بلدان الشمال الإفريقي إليهم تشد الرحال فكان الفقيد العزيز طليعة هؤلاء الذين حملوا المشعل وأحسنوا الخلافة واتصل بهم السند تولى التدريس في الجامع وفروعه وكان المقرب اللصيق من الشيخين المنعمين مفخرتي تونس والزيتونة سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور وفضيلة العلامة البحر الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور رحمهما الله الذين تلقى عنهما فقيدنا العزيز وظل ملازما لهما في الحل وفي الترحال حيث قرباه منهما وخصه كل منهما بما جعله امتدادا لهما وخير خلف لخير سلف وهكذا تسلم مشعل عمادة الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين فحافظ على خصوصيتها وبذل قصارى جهده من اجل النهوض بها حسب ما هو متاح في تلك المرحلة من تاريخ تونس الحديث فازداد عدد طلابها وانتدب لها من استنجبهم من البقية الباقية من شيوخ الزيتونة ودعا من البلدان الشقيقة أساتذة زائرين إيمانا منه رحمه الله بضرورة التلاقح والتكامل والتعاون من اجل تخريج أجيال من الأساتذة والمربين والشيوخ والواعظين الذين ينيرون السبيل بعلم وحكمة وبصيرة وإخلاص.
ثم انتقل رحمه الله من عمادة الكلية الزيتونة إلى خطة الإفتاء فكان زينتها يشنف الأسماع ببليغ المسامرات والمحاضرات ويصدر الفتاوى والإجابات على ما يرد عليه من استفسارات من الأفراد والهيآت بكل تروّ ودقة ومراعاة لما تتسم به الشريعة الإسلامية من واقعية وسماحة ومراعاة لتطور الحياة وفي حفاظ ظل يحرص عليه على الثوابت.
وكان انتقاله رحمه الله وأجزل مثوبته لتولي خطة الأمين العام للمجمع الفقهي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي) بجدة كلن هذا الانتقال يمثل جانبا آخر من عطائه الثري المتميز والذي كان في مستوى الرهان عليه والثقة فيه فمن خلال هذا الموقع الرفيع والدقيق انطلق رحمه الله يبذل ويعطي بتفان ويجسم كل ما تطلع إليه ونادى به العلماء الأعلام والذين في طليعتهم شيخه سماحة العلامة الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله الذي نادى منذ عقود بعيدة بضرورة مواكبة العصر وتحدياته بتقديم الإجابات المقنعة للتساؤلات التي تخامر أذهان المسلمين أفرادا وجماعات وذلك عن طريق الاجتهاد الجماعي فكان المجمع الفقهي الدولي بجدة هو المجسم له من خلال دوراته العلمية التي انعقدت في جدة وفي عواصم البلدان العربية والإسلامية التي استضافتها هناك في الكويت وأبو ظبي والرياض وعمان ومسقط والمنامة وغيرها.
كان فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام قطب رحى المجمع وعموده الفقري يحرص على مباشرة الصغيرة والكبيرة في أعماله من مرحلة اختيار مواضيع كل دورة واختيار المشاركين إلى تنظيم كل الإجراءات حتى ما يتعلق منها بالسفر والإقامة فضلا عن إدارة الجلسات بجانبيها الرسمي البرتكولي والعلمي الأكاديمي كل ذلك يحزم وصرامة ولا ينتهي عمله عند حد انعقاد الدورة بل يتجاوزه إلى توثيق كل ما القي من بحوث وما صاحبها من مناقشات مستفيضة وما يصدر من قرارات وتوصيات وبحكمة وبصبر كبيرين استطاع رحمه الله أن يوفق بين كل الأطراف التي منها الرسمي الممثل للدول ومنها من اختير لخبرته العلمية وتشهد على ما أقول تلك المجلدات التي تعد أجزاؤها بالعشرات والمشتملة على آلاف الصفحات في أمهات القضايا والمسائل العلمية القديمة والمستحدثة ولقد حرص رحمه الله على أن يستدعي للحضور والمشاركة في دورات المجمع خيرة علماء الأمة وشيوخها على مختلف مذاهبهم الفقهية وأضاف إلى هؤلاء العلماء المختصين في مختلف مجالات العلم والطب والفلك والاقتصاد والمالية وظل المجمع يعمل على هذه الوتيرة من الدقة والعمق والتواصل إلى أن غادره بعد أكثر من عشرين سنة هي أخصب مراحل عطاء هذه الهيئة العلمية التي تعد إلى جانب البنك الإسلامي للتنمية من انجح هيآت منظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي).
ولم يشغل المجمع الفقهي الدولي الفقيد العزيز عن أن يشارك في اغلب ما عقد في السنوات الأخيرة من مؤتمرات وملتقيات وندوات في تونس وطرابلس والقاهرة والجزائر وفي الرياض والدوحة وأبو ظبي والكويت وفي اصطمبول واسلامباد وطهران وفي روما وباريس وجنيف ولندن ومدريد وفي وفي.. لا يغيب عن لقاء، كان رحمه الله نجم هذه اللقاءات الساطع وسفير تونس الزيتونة شكلا ومضمونا بزيه التونسي الأنيق: جبة وعمامة وبعلمه الدقيق ورؤيته العميقة وبصوته البليغ الذي يشد الأسماع.
وكان رحمه الله العضو العامل في المجامع اللغوية بالقاهرة ودمشق وبغداد وعمان وفي أكاديمية المغرب حيث ظل لسنوات طويلة صاحب الدرس الأول في الدروس الحسنية الرمضانية التي تقام في رحاب القصر الملكي بالرباط في حياة الملك الحسن الثاني رحمه الله ومن بعده في عهد الملك محمد السادس.
أما تونس التي فيها نشأ وترعرع ومن زيتونتها ثم من الصربون بفرنسا تخرج فقد ظل دائم الصلة بها وظل وفيا لها ولشيوخها يدعوهم لحضور دورات المجمع ويشارك فيما يعقد في رحاب جامعاتها ومراكزها العلمية من ندوات وملتقيات وكان آخر ما أخرجه ضمن الأعمال الكاملة تحقيقه لآثار سماحة الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله وبالخصوص كتابه الجليل مقاصد الشريعة الإسلامية الذي عكف على تحقيقه وتأصيله ليقدم للهيآت العلمية وطلاب العلوم الشرعية الذين هم في أمس الحاجة إلى هذا العلم الذي من شأنه أن يقدم الإسلام على حقيقته التي هي رحمة كلها وخير كلها رحم الله فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة رحمة واسعة واسكنه فراديس جنانه وجازاه الله خيرا الجزاء على ما قدمه للأمة ودينها وثقافتها العربية الإسلامية من خدمة جليلة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي
مقالات هذا المؤلف
- مفاهيم إسلامية: ضرورة التروي وعدم التسرع من أجل الوصول إلى الحق
- محمد الحبيب المستاوي: الإسلام المتصالح مع ولي الأمر
- مفاهيم إسلامية:فوائد الصبر وعواقبه في العاجل والآجل
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة الحادية والعشرون): الصدق أساس كل خبر للفرد والمجتمع
- من توجيهات الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع (الحلقة العشرون): سعى الإسلام لتركيز فضيلة الحياء والاحتشام
- [...]
ar
المكتبـة
أعـــلام و معالــم
?
