الاسلام: حقائق وأعلام ومعالم

مواقف إسلامية: ضرورة التدبر والاعتبار بالقصص والأخبار والآثار

بقلم: الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله
الجمعة 17 شباط (فبراير) 2012 par الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي

لا يستطيع احد أن ينكر ما لدراسة التاريخ من أثر فعال في تكوين شخصية الدارس الرصين الذي يمعن النظر في الأحداث ويتحقق في الأسباب والمسببات ويقف حيال كل شخصية تاريخية يستجلي غوامض أسرارها ويستخرج من ثنايا المواقف والحوادث والكلمات ما يغفل عنه كل عابر سبيل تشغله الأرقام والسنوات عن لب الحقائق والعبر والمثلات، وان هذا الغوص والتأمل والتعمق لهو عين ما أراده رب العزة منا حين قال (ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه) فما من شك في أن ظروف الناس ونوازعهم والمقومات الأساسية لحياتهم توشك أن تكون واحدة وان اختلفت في ألوانها وأشكالها من عصر إلى عصر ومن بلد إلى بلد وتبعا لهذا التناسق والتوافق تكون أحداث التاريخ أجراسا عنيفة الإيقاع توقظ النوم من سباتهم العميق قبل أن يحيق بهم السوء بغتة وهم نائمون وتنبه الغافلين عن حقيقة وجودهم ليتمنطقوا بالحزم وليتزروا بالعزيمة والجد مخافة أن يحلفهم الركب أو أن تجرفهم سيول الأحداث الصاخبة المتلاطمة، وان الإحداث التاريخية في تعاقبها وتشابهها وتوافقها لتمثل ابلغ الدروس وأنجع العبر لمن كان من ذوي العقول الراجحة والألباب الحصيفة لأنها تمثل الثقافة العملية والدرس التطبيقي الذي يوقف الإنسان على حقيقته من خلال دراسته نظيره وما يشبهه ويجسم به النتيجة الحتمية التي تنتظره من وراء ما يقوم به من أعمال وما يخططه من برامج بل ومن وراء ما يضمره من نوايا وما ينطوي عليه من مقاصد ذلك أن من كان على شاكلته قد انتهى إلى نهاية معروفة مكشوفة وقل أن يعكس المطرد أو أن يتخلف المعهود.

وإذا ما ألح القرآن في عديد المناسبات على استعراض حياة الغابرين وأعاد استعراضها كلما دعا المقام لذلك ليقرر ناحية جديدة من نواحي الاعتبار والدرس فما ذلك إلا ليعتبر الباقون بمن مضوا ولينسجوا على منوال الذين نهجوا مناهج الهدى والتوفيق، وليتنكبوا سبيل أولئك الذين زاغوا عن القصد فزلت بهم الإقدام وطحنتهم بكلكلها الليالي والأيام، ولقد أدى هذا المقصود الكبير العظيم بجملة استوعبته كاملا غير مفتقر إلى مزيد (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) وكم هي العبر التي تمر بالإنسان أناء الليل وأطراف النهار فلا يعيرها ما هي جديرة به من تأمل ونظر (وكم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون آفآمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون) تلك هي الحقائق الكونية والتاريخية والبشرية أحاطت بالإنسان من كل جانب وسلكت إلى قلبه المغلق كل سبيل وملكت عليه سمعه وبصره ولامست بخشونتها ونعومتها نفسه وحسه بيد أن الإنسان العنود الجحود أبى إلا أن يلتحف بعباءة النسيان ويتغافل عما هو كائن ويتجاهل ما قد كان وكم جر له تغافله وتجاهله من ويلات وخيبات غير انه لا يشرع في إصلاح ما افسد إلا بعد فوات الفوت. وقليل هم أولئك الذين طهر الله قلوبهم من رجس الشيطان فجعل نومهم إغفاء وغلطتهم فلتة وخيبتهم كبوة وعثرة إذ سرعان ما يثوب إليهم رشدهم وتجد الموعظة إلى قلوبهم طريقها فإذا بهم يستقيمون على الطريقة وإذا بربهم يسقيهم ماء غدقا ويبدل عسرهم يسرا وشدتهم رخاء لأنهم ممن قال في حقهم (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).

من اجل تحقيق هذه التوبة والأوبة من أخصر سبيل وبأقل كلفة جعل الله لعباده أشياء عملية توقفهم قسرا أمام أنفسهم وتجعلهم ولو إلى حين يعيشون مع الحقائق وجها إلى وجه وما العبادات التي فرضت على المسلمين إلا من هذا القبيل لأنها تشكل محطات يقف المسافرون بها للتزود والتفقد وما أحوج كل مسافر إلى الزاد والاستراحة والاستعداد وما صلاة الجمعة وما الأعياد الدينية وما الأعياد الوطنية أيضا إلا فرص لتجديد العزائم وتقوية الهمم ومحاسبة النفوس وما هي إلا اللقاء الحي مع التاريخ وأحداثه ومع من طوى العدم أجسامهم فقط ولم يستطع أن يمحو آثارهم ولا أن يقطع الصلة الروحية الخالدة بينهم وبين الأحياء من إخوانهم وأحفادهم.

هذه هي دراسة التاريخ وهذا هو استنطاق الحوادث واستلهام العبر، وذلك هو المغزى الحقيقي لكل عيد وطني وكل عيد ديني وإذا ما خلت الأعياد من هذه المعاني وأقفرت العبادات من تلك التجليات وقعدت الدراسات التاريخية عن هذه التحليقات فقد جاء الوهن والضعف وتسرب النوم والارتخاء واخلد الإنسان إلى حيوانيته الضارية التي تقصر همته القعساء وعزيمته الشماء على أنواع من المتعة واللذة التي قد يكون نصيبه منها مهما كبر وعظم اصغر من نصيب أرنب أو ثعلب في حين أن من خلقه وسواه بشرا كريما قد قال فيه منذ أن خلقه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) صدق الله العظيم.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 152255

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المكتبـة  متابعة نشاط الموقع أعـــلام و معالــم  متابعة نشاط الموقع للشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله   ?

Creative Commons License